الشيخ محمد رشيد رضا

477

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأما قوله تعالى ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) فليس معناه ان في أفعاله شيئا عبثا أو سدى أو جزافا جاء أنفا بمحض المشيئة ، عاريا عن النظام والتقدير الذي اقتضته الحكمة ، كلا ! انما معناه ان سلطانه تعالى فوق كل سلطان فليس لموجود سلطان عليه فيسأله عما يفعل يحاسبه عليه أو يلقي عليه تبعته ان فرض أنه يرى ذلك ، فلا حجة في هذه الآية للجبري في الظاهر والباطن ، ولا للمذبذب الجبري في الباطن السني في الظاهر . ( حكمة كتابة مقادير الخلق ) روي عن الحسن ان حكمة كتابة اللّه تعالى لمقادير الخلق تنبيه المكلفين على عدم اهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكران الورقة والحبة في الكتاب وزاد بعضهم حكمتين أخريين إحداهما اعتبار الملائكة عليهم السّلام موافقة المحدثات للمعلومات الإلهية والثانية عدم تغير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب . ولذا جاء « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » - ذكر ذلك الآلوسي وجعل قول الحسن هو الثاني في الترتيب . والعبارة الأخيرة حديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة باللفظ الذي ذكره الآلوسي ولا نعرفه مرويا بهذا اللفظ ولكن ورد في حديث عبد اللّه بن جعفر عند الطبراني « واعلم أن القلم قد جف بما هو كائن » وفي حديث أبي هريرة عند البخاري « جف القلم بما أنت لاق » وورد جف القلم وجفت الأقلام في أثناء أحاديث أخرى وهذا الذي قالوه في حكمة الكتابة ضعيف وحكمة اللّه البالغة فيه فوق ذلك ويتوقف تلمح شيء من جلالها وجمالها على تدبر النظام العام الذي قامت به السماوات والأرض والنظام الخاص بكل نوع من أنواع المخلوقات فيهما ، وعلى كون تلك النظم التي يعبر عنها في عرفنا بالسنن وبالاقدار الإلهية ، وفي عرف بعض العلماء بالنواميس أو القوى الطبيعية ، انما ينفذها أصناف من الملائكة ذكر في الآية التي بعد هذه صنف الحفظة ورسل الموت منهم ، وورد في بعض التفسير المأثور ان ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً ) وما عطف عليها ( وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ) وما عطف عليها إلى قوله ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) أصناف منهم وهم الملائكة الموكلون بتدبير امر